تقدير الذات
i٣ iيوليو i٢٠٢٥ هـ

تقدير الذات

أحيانًا نعيش لحظات نرى فيها غيرنا ينجح، يلمع، يصل، يتقدّم، ونحن واقفين مكاننا. نكون بذلنا جهد، تعبنا، صدقنا، خططنا… لكن ما مشيت الأمور مثل ما نريد. نشوف اللي حوالينا يحتفلون بإنجازاتهم، ونبتسم لهم من برّا… بس من جوا، فيه شعور غريب


نتسائل ،ليش مو أنا؟ هل أنا مو كفاية؟ هل أنا فاشلة؟

وهنا تبدأ أول شرارة في ضعف تقدير الذات.

مو لأنك فاشل/ة… لكن لأنك قست نفسك بميزان غيرك، ونسينا أن كل قلب له طريق مختلف.

ــــــــــــ


ماذا يقول علم النفس والفلاسفة؟

علم النفس يعرّف تقدير الذات بأنه:

“نظرة الشخص لنفسه من حيث القيمة والجدارة والاستحقاق.”

(تعريف كارل روجرز – أحد مؤسسي العلاج المتمركز حول الذات)


أما الفيلسوف الألماني “إريك فروم” فيقول:

“حب الذات لا يعني الأنانية، بل يعني أن أرى نفسي كإنسان يستحق الاحترام والاهتمام، مثل الآخرين تمامًا.”


العلماء يرون أن ضعف تقدير الذات يسبب:

• تردّد دائم

• خوف من الفشل

• انسحاب اجتماعي

• حساسيات زائدة

• جلد ذات مستمر


بينما تقدير الذات الصحي يُظهر شخصًا متوازنًا، يحترم نفسه، يفرح لنجاح غيره دون أن يشعر بالنقص.

أما من الجانب الديني ذُكر لنا قصص عن مواقف الانبياء والرسل في مواقف تقدير الذات والتوكل على الله

قصة موسى عليه السلام

موسى لما أمره الله بالذهاب إلى فرعون، قال:

﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾

﴿ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾

﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ﴾

(طه: 25–27)

الرسالة هنا أنه حتى الأنبياء مرّوا بلحظات توتر، وكانوا يدعون بثقة تامه بالله دون شعور بالدونية. موسى اعترف بصعوبة الموقف، لكنه ما قلّل من قدر نفسه… لجأ لله .

مريم عليها السلام

في لحظة ضعف قالت:

﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ﴾

(مريم: 23)

لكن جاءها النداء من السماء:

﴿ لَا تَحْزَنِي ﴾

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾

(مريم: 24–25)

الرسالة هنا أنه حتى الطاهرة العفيفة مريم، شعرت بالضعف… لكن الله ما تركها. أكرمها، وقوّاها، وأعاد لها الثقة.

ومن تفسير ابن كثير:

“في هذا تعليم أن الإنسان يُطالَب بفعل ما يقدر عليه، ولو كان بسيطًا، والباقي على الله.”

لذا الخلاصة أن منبع الثقة ليست من الذات فالذات أمارة بالسوء أما الثقة الحقيقة للتغلب على الخوف والصعاب هي بالثقة لالله وحده عز وجل ...."يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني..."

أعزائي قراء البنفسج هل تعانون من ضعف تقدير الذات؟

نعم، وأنا كذلك من الطبيعي ان نشعر بقلة تقدير ذات في بعض المواقف او الايام او حتى الفترات، في التعب او في الشدة وحتى الرخاء. لكن عندما يكون قلة توكيد الذات ذا تأثير على سير حياتنا وعملنا ونشاطاتنا فراقب ان كانت هذه المؤشرات التالية تتطابق معك:

• إستحقار النفس بدون سبب او حتى بسبب بسيط لا يستحق الذكر؟

• مقارنة حياتنا كثيرًا؟

• إستكثار النجاح أو الحب علينا؟

• لوم النفس دائمًا؟

• الخوف من رأي الناس بشكل مفرط؟


لو أي من هذي الأسئلة جوابه “نعم”، فعِلم النفس يخبرك المقولة المشهورة والتي هي أنك تحتاج إلى شفاء داخلي. لذا عزيزي القارئ امسك الخيط ن الجانبين وتوكل على الله بالدعاء واستعن بالعلم لفهم نفسك أكثر ...

لكن هنا بعض الخطوات المبدئية التي أنا أستعملها شخصياً لعلاج قلة تقدير الذات التي نواجهها جميعاً.

• مراقبة أفكارك.

كلما تأتيك فكرة تقلل منك، اسأل: “لماذا تتملكني هذه المشاعر؟ هل هي خوف،أم حزن، زعل، أم غضب؟” وعندما نصل لجذور هذا الشعور هنا نبدأ بتحويل هذه الفكرة من تدفق سلبي الى تدفق إيجابي

مثلا:

أنا أخاف وما اقدر على الكلام=> أنا شجاع/ه وأقدر أواجه

أنا لا أقدر على التحكم في غضبي=> أنا أقدر اتحكم فيها وسوف أتحسن مع الوقت

أنا مو حلوه => إلا انا جميلة وكل يوم راح ازداد جمال واهتمام بنفسي

أنا لا يمكن أتنازل مهما صار أنا معايا الحق=> أنا أحس كذا لان الموقف هذا ما انصفني وهذا الشيء زعلني لكن راح اصارح هذا الشخص حتى ما يتكرر الموقف وفي النهاية المسامح كريم ( لكن المسلم فطن🌷)


خيال : معنى كلمة "فطن" في اللغة العربية هو: أدرك وفهم الشيء بسرعة وفطنة، وأصبح ذا ذكاء وفطنة. يُقال أيضًا "فَطِنَ للأمر" أي تنبه إليه وأدركه.

هذه مجرد امثله بسيطة عن كيف نبدء بتغيير افكارنا ومن هنا تأتي الخطوة التالية.


افصل/ي بين الفشل والقيمة.

اللي فشل مرة ما يعني إنه ضعيف. حتى الأنبياء خُذلوا من أقوامهم.

ووصفوا بأوصاف كالكذب والسحره وتعرضوا لأذية كبيرة لكنهم صبروا وآمنو كانو متوكلين على الله بثقة تامة وهذا أعزائي هي القيمة


اكتب/ي إنجازاتك، لو بسيطة.

كلمة طيبة، صبر على أذى، قرار حكيم… كل شيء له قيمة.

حتى الفكرة السيئة اللي نجحتي في تغيرها من فكرة مثبطة إلى فكرة محفزة هذا انجاز يذكر


اختر من تجالس.

في ناس تكبّرك، وفي ناس تصغّرك. اختاري من يذكّرك بقيمتك!

والأمثلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة في حثنا على مجالسة الصالحين منها

قول الله تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾

(الكهف: 28)

التفسير:

الله سبحانه يأمر نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يصبر ويجلس مع أهل الإيمان والذكر، حتى لو كانوا فقراء أو ضعفاء في نظر الناس، لأنهم أصحاب قلوب حقيقية وذكر دائم.

الرسالة هنا أن الجليس الصالح ما يُقاس بمنصبه أو مظهره، بل بقلبه وقربه من الله.

وعن حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يُحرِق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة.”

– رواه البخاري (5534) ومسلم (2628:

هنا يعني الجليس الصالح إما أن يعطيك عطراً (كلاماً طيباً، فكرة، نصيحة)، أو تجد منه ريحاً طيبة (راحة، دعم، طاقة). وجليس السوء إما أن يحرقك أو تتأذى منه، حتى من غير قصد.


خيال : والرسالة اعزائي الصاحب الطيب يضيف لك… ما ينقصك.


وأخيراً..لكن الأهم..!


التواصل مع الله.

{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}، وادعي، وارفع كفّك لله عز وجل والأدعية التي وردت من القرآن والسنة لتقوية الذات كثيرة ومنها

1. دعاء موسى عليه السلام:

﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ﴾

(طه: 25–27)

دعاء عظيم عند الشعور بالضيق أو الحاجة للثبات في المواقف الصعبة.

2. دعاء أهل الإيمان في الشدائد:

﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾

(البقرة: 250)

قاله المؤمنون في القتال، لكنه ينفع في كل موقف يحتاج لصبر وثبات وقوة قلب.

3. دعاء التقوى والتوفيق:

﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ… وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾

(الأحقاف: 15)

دعاء فيه طلب لله أن يُلهمك العمل الصالح والثبات عليه.

4. دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الكرب:

“اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.”

– رواه أبو داود

دعاء عظيم عند الشعور بالضعف، لطلب التوفيق من الله وعدم الاتكال على النفس.

5. دعاء يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت:

“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.”

– الأنبياء: 87

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.”

– رواه الترمذي

6. دعاء لتثبيت القلب:

“يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك.”

– رواه الترمذي

دعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منه، فهو مصدر الثبات الحقيقي.


حسنا ماذا اذا أصبحنا نملك تقديرًا أو توكيداً جيدًا لذواتنا؟

هنا النقطة الأهم حتى ما نضيع كل تعبك في لحظة!

• المحافظة عليه بتواضع. لا نخليه يتحول لكِبر.

قول الله تعالى:

﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾

(النحل: 23)

المتكبر محروم من محبة الله، وهذه أعظم خسارة.

لا تقلل من ذاتك ومن الآخرين ايضاً.

عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد.”

– رواه مسلم

هذا الحديث فيه أمر رباني مباشر: أن نرفع بعض، لا نُسقط بعض.


ذكّري نفسك أن قيمتك من الله، وليست من الإنجاز الفردي.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“من تواضع لله رفعه الله.”

– رواه مسلم

أي أن العز الحقيقي يأتي من التواضع لله، لا من الكبرياء أو المظاهر أو المنافسة الدنيوية


خاتمة

لذا قراء البنفسج،

قيمة الإنسان لا تقاس بحجم النجاح أو نظرة الناس أو ترتيب الإنجازات.

قيمتك هي في أنك مخلوق بيد الله، مكرّم، لك رسالة، ولك طريقك الخاص.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾

(الإسراء: 70)


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الكاتبة: خيال البنفسجتوقيع فيوليت إينك

شكراً لقراءتك

كل مقالة هنا هي قطعة من قلبي أشاركها معكم بمحبة. أتمنى أن تكون قد لامست قلبك أيضاً.

Read More Stories

مقالات ذات صلة