
أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه
اعمل، وتدبّر، وتوكّل، ولا تنسَ أن الدنيا دار ابتلاء، وأن الآخرة هي دار البقاء.
أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه
لا ننكر أن الحياة في زمننا أصبحت أكثر ازدحامًا وتسارعًا؛ تتزاحم فيها مسؤوليات العمل، ومتطلبات الأسرة، والالتزامات الاجتماعية، حتى يجد الإنسان نفسه عالقًا بين واجبات لا تنتهي. يمضي يومه في رعاية من حوله، وإنجاز ما عليه، والاستجابة لما يُطلب منه، ثم يكتشف بعد مدة أنه أهمل نفسه، واستنزف جسده، وأرهق روحه.
وقد يُطلَق على هذه الحالة في عصرنا اسم الاحتراق النفسي (Burnout)؛ وهي حالة من الإنهاك الجسدي والنفسي والعاطفي تنتج غالبًا عن استمرار الضغوط واختلال التوازن. ولكن الإسلام نبّه إلى أصل مهم يحمينا من هذا الاستنزاف: أن للحياة حقوقًا متعددة، وأن الاتزان يتحقق حين نعطي كل ذي حق حقه.
فقد آخى النبي ﷺ بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهما. وحين زار سلمان أبا الدرداء، وجده يبالغ في الصيام والقيام حتى قصّر في حق نفسه وأهله، فقال له سلمان رضي الله عنه:
«إنَّ لربِّكَ عليكَ حقًّا، ولنفسِكَ عليكَ حقًّا، ولأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه».
فلما ذُكر ذلك للنبي ﷺ قال:
«صدَق سلمان».
والحديث صحيح رواه البخاري. نص الحديث وشرحه – الموسوعة الحديثية
إنه توجيه نبوي عظيم يختصر لنا معنى التوازن: لربك عليك حق في العبادة والطاعة، ولنفسك عليك حق في الراحة والرعاية، ولجسدك حق في الطعام والنوم، ولأهلك حق في الصحبة والاهتمام، ولعملك حق في الإتقان، ولمن حولك حقوق لا ينبغي إهمالها.
ليس المقصود أن نعيش لأنفسنا وحدها، ولا أن نستنزفها في سبيل الآخرين، بل أن نحيا بميزانٍ لا يطغى فيه جانب على آخر.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: 56]
أي أن الغاية العظمى من وجودنا هي عبادة الله وتوحيده وطاعته. الآية وتفسيرها
يغفل كثير من المسلمين عن مدى شمول هذا الدين. فالإسلام لم يترك الإنسان تائهًا دون توجيه، بل علّمه آداب الطعام والشراب والنوم، ونظّم علاقته بوالديه وأسرته وجيرانه، وبيّن له أخلاق الصداقة والزواج والتعامل مع الناس، ووضع الضوابط لأكبر المسائل المالية والتجارية.
إنه منهج للحياة، لا عبادات منفصلة عنها.
ولو توقّف المسلم لحظةً ليتدبر هذا الشمول، لأدرك أن بين يديه هداية ربانية تعلّمه كيف يسير في الدنيا: كيف يعبد، وكيف يعمل، وكيف يحب، وكيف ينفق، وكيف يختلف، وكيف يستريح، وكيف يقوم بعد تعثره.
فلماذا نملك هذا النور، ثم نبحث عن الطريق في الظلام؟
الدنيا ليست المحطة الأخيرة
ومع ضرورة إعطاء النفس حقها، ينبغي ألا تتحول العناية بالدنيا إلى غاية تستولي على القلب. فهذه الحياة دار عمل وابتلاء، وليست دار بقاء. نحن نستريح فيها لنواصل السير، ونعمل فيها لنستغني بالحلال، ونبني بيوتنا ونعمر الأرض؛ لكننا لا ننسى أننا نسير نحو حياة أخرى أبدية.
لا تجعل العمل يسرق صلاتك، ولا تجعل انشغالك بالأسرة ينسيك نفسك، ولا تجعل راحتك تتحول إلى غفلة، ولا تجعل سعيك وراء الدنيا يبعدك عن الغاية التي خُلقت لأجلها.
وازن بين حقوقك، ورتّب أولوياتك، واجعل رضا الله البوصلة التي توجّه تفاصيل حياتك.
اعمل، وتدبّر، وتوكّل.
اعمل بما تستطيع، وتدبّر ما وضعه الله بين يديك من هداية، ثم توكّل عليه دون أن تحمل نفسك ما لا تطيق.
